جدل
الأشكال الشعرية
محمد مظلوم
في
المستهل من المهم الإشارة إلى أن فوضى التسمية المتعلقة بالشعر المكتوب خارج إيقاع
البحور العربية التقليدية، شكّلتْ المجالَ الحيوي لسجال لم يصل في كثير من الأحيان
حدَّ الجدلِ الحيويِّ أو الحوارِ الْمُجدي خلالَ العقودِ الأخيرة من تاريخ الشعر
العربي. بيد أنَّ تسمية "قصيدة النثر" بما حملته من إشكالات وتناقضات داخلية أضحتْ
محلَّ هذا السجال بامتياز، وبالتالي فإن الصيغَ الشكليةَ داخلَ هذا النوع الجامع،
غير المانع، هي ما يُمكنُ أنْ يشكِّلَ حافزاً على قراءة العلاقات الْمُشوَّهةِ بين
حُدودِ الكتابة الشعرية على مُختلف أشكالِها الراهنة.
كما
أنَّ النظرةَ إلى مُستقبلِ "قصيدة النثر" بوصفها كتابةً شعريةً خارجَ الأوزان
الموروثة، لا تتمُّ بِمعزلٍ عن فحصِ تاريخِها المتحدِّر من أرومةٍ معقدةٍ حقاً،
ومحاولة مقاربة هذا الشكل الشعري الوافد، بتراثٍ شعريٍّ طويلٍ أكثرَ تعقيداً،
شكَّلَ الهويةَ الثقافيةَ العربية.
فالخلطُ أو الالتباسُ الحاصلُ، على الأقلِّ بين "الشعر النثري" و"قصيدة النثر"
نصَّاً وقراءة ونقداً، يقودُ اليومَ إلى امتناع وجود نقد منهجي ناهيك عن خصوماتٍ لا
تَنِيْ تتجدَّدُ حولَ ريادةِ شكلٍ جديدٍ في الشعريةِ العربية.
نستطيعُ القولَ إنَّ "قصيدة النثر العربية" وُلِدَتْ مُتزامنةً، في حسابِ العقودِ،
مع ما عُرفَ بالشعر الحرِّ، في فوضى تسمياتٍ أخرى، أو قصيدةِ التفعيلة في التصنيفِ
الشكلي الهندسي، تمييزاً عن الشعر العمودي (قصيدة البيت أو الشطرين) بيد أنَّ هذه
الولادةَ لم تكن مرئيةً تماماً، بفعل البهجة الزائدة التي رافقت الإعلان عن ولادة
قصيدة التفعيلة.
وعندما
نزعُم أن ثمة ولادةً لـ"قصيدة النثر" من داخل مشروع قصيدة التفعيلة كاحتمال غير
منجز وليس استتباعاً أو استدراكاً، فإننا نحدد هنا "قصيدة النثر" في نموذجها
العراقي، وهو ما يستدعي الإشارة إلى أن الثقافة الأنكلو سكسونية التي رأى ناقد مثل
الدكتور إحسان عباس أنها أسهمت في تحول الشعر العربي من البيت إلى التفعيلة حدَّدتْ
توجُّهاً مختلفاً للقصيدة المكتوبة خارج الوزن عن مثيلاتها في بلاد الشام.
أما في
بلاد الشام حيث الثقافة الفرانكفونية فإن "قصيدة النثر" كتبت بشكل مختلف، لا يبتعد
كثيراً عن أصولها التي استقصتها سوزان برنار نفسها. فقصائد محمد الماغوط، وأنسي
الحاج، تعد نموذجية في هذا السياق، وإن كانت ديباجة الإنشاد واحدة من بعض سماتها
التي تشدُّها إلى مرجعية ما، كما يمكن استثناء تجربة توفيق الصايغ في هذا المجال.
نحن
إزاء نموذجين حقاً، أحدهما يقبل بـ"قصيدة النثر" كمعطى وافد ويستجيب لهذه الفكرة
بواقعية فيكتب لنا قصيدة نثر نموذجية ومنضبطة، والآخر لا يجد ثمة مسافة بينها وبين
النثر الشعري، ويسعى إلى البحث عن أصولها في الثقافة العربية، حتى وإن بدا ذلك
البحث احتطاباً في ليل لا ينتهي.
وإذا
ما سلمنا بأن التحدي الأكبر الذي واجهته ولادة "قصيدة النثر" هو هذه السلالة
اليعقوبية المتنازعة، فإن حسين مردان، مثالاً، هو يوسف المنفيُّ عنها، أولاً
لأنَّهُ لم يجرؤ على تسمية ما كتبه خارج الإرث السلالي، بما يشير علانية إلى الشعر
أو القصيدة، بل اكتفى بتسميته "النثر المركز" وثانياً لأنَّهُ نشأ في بيئة ثقافية
مضادة، ليس لنمط الشكل الشعري الذي يكتبه فحسب، وإنما لطبيعة القول الشعري كذلك.
وإذا
كان مشروع "قصيدة النثر" جاء نزوعاً نحو التحرر من سطوة الشكل التقليدي، فإن حسين
مردان بدأ من الشعر العمودي، وتواصل مع قصيدة التفعيلة المولَّدة للتو، وتجاور مع
كتابات "قطع نثرية" ارتبطت بالصحافة قبل أن يرتكب نصَّهُ المفتوح على هذه الفوضى
الشكلانية، حتى بدا وكأنه برتران الضائع في ثقافتنا رغم إن كتبه النثرية تعددت
وأشكاله الشعرية أيضاً.
وعلى
الرغم من أنه عاش في أوج مجد الجواهري، وصعود نجوم ما عرف بجيل الرواد إلا أننا
يمكن أن نصفه هنا بالمعلم المبكر، في كيفية تمثل الأشكال الشعرية المتاحة دون تعصب
لواحد منها. فبينما ظل الجواهري في إيوانه الكلاسيكي، وتمسك جيل الرواد بما عندهم
حتى الموت، لم يكن ثمة مقدس لدى مردان منذ البداية حتى وفاته في العام 1972. فهو
الوحيد الذي كتب الأشكال الثلاثة دون لوثة عقائدية. لكن الأهم في هذا كله إن حسين
مردان كان معاصراً في كتابته وحديثاً بما يجعله متجذراً وصميمياً في خلخلة سطوة
الشكل الشعري على مستوى تعبير الشاعر، ربما لهذا لم يجد له مكاناً واضحاً حتى الآن
في حمى التعصب للشكل التي وسمت نصف القرن الماضي من عمر الشعر العربي وما انطوت
عليه من نزعات إلغائية وإنكارية، دون أن يتاح لأي من الأشكال المتعددة أن يلغي
الآخر، ليصبح السؤال عن الأشكال الميتة والأشكال الحية، حيال استحقاق المراجعة
وإعادة النظر حقاً.
من هنا
فإن مصطلح "قصيدة النثر" يبقى حقلاً للاختبار والتجريب طالما أن كل الأشكال الشعرية
يمكن أن تزدرع فيه شرط تخليها عن الوزن. لكن ماذا إذا دخل الوزن نفسه عنصراً
متخفياً في هذه القصيدة، هل يمكننا عندها أن نسميها قصيدة نثر؟ رغم أنها كتبت تحت
وطأة تلك النية وتبدو في ظاهرها كذلك؟
وماذا
بشأن تحول بعض القصائد المكتوبة خارج الإيقاع الخليلي أصلاً، إلى محاولة لتحصيل
إيقاع خليلي غير مقصود؟ سؤال الحرية معني بالدرجة الأولى هنا وهو موضع اختبار حقاً،
ذلك إن ما يتوافر من أشكال شعرية متاحة، ليست عقائد يجُبُّ اللاحق منها سابقَهُ،
لكنها مقترحات لمقاربة جوهر يبقى بعيداً وعصياً على التشكل في نموذج واحد.
بهذا
المعنى فإنَّ البراءةَ الأولى التي تمتعَ بها أنسي الحاج ومحمد الماغوط تحديداً،
وأفضتْ إلى نموذج لقصيدة لا تحتاجُ إلى الوزن أو القافية لتكونَ شِعراً، لم تعُد
الآنَ براءةً فاعلةً عندما لا ترى الأجيال اللاحقة شعلةً لبدايةِ قصيدتِها إلا من
تلكَ النقطة التي لم تعُدْ بريئةً اليوم، وإنمَّا نسجٌ على نولٍ باتَ معروفَ
الخيوط.
لقد
فتح التحريضُ على الاستغناء عن الوزن آفاقاً جديدة أوسع مما يحمله مشروع "قصيدة
النثر" نفسه، ذلك إن النموذج المقصود صار مفقوداً، وصار الشكل قلقاً إلى درجة أن
"قصيدة النثر" نفسها صارت ممتنعة التحقق في إطار نصي أو مفهومي.
وإذا
طرحنا قضية الوزن جانباً واتجهنا إلى فهم سوزان برنار نفسها عن "قصيدة النثر" سنجد
أنها وإن توافقت في مكان ما مع النقد العربي على التفريق بين الشعر والقصيدة
بتفكيكها لمعنى القصيدة وأحالتها إلى اسمها "ينبغي أن نرد لها معناها الاشتقاقي كله
على أنها عمل مبني (كامل) إذ غالباً ما يحصل الخلط بين (القصيدة والشعر) كما أننا
نسمي قصيدة كل نتاج نصادف فيه شعراً" لكنها سرعان ما تنقل مفهوماً لافتاً لأدغار
ألن بو للقصيدة : "لا وجود لقصيدة طويلة، وما نعنيه بقصيدة طويلة هو تناقض تام في
المصطلحات".
لقد
انشغل النقد العربي، خلافاً واجتهاداً وتناقضاً في تحديد مفهومين منفصلين محددين
لكل من الشعر والقصيدة داخل الشكل العربي الكلاسيكي نفسه، فكيف يمكن أن نتقصى
حدوداً بيِّنة بين الشعر والقصيدة، أو بين الشعر وسواه، في ثقافة جديدة لم تعد
تجتمع على التعريف والتصنيف بل على التنوع والانكشاف أمام اجتهادات وتعريفات
متعددة.
أسئلة
الشكل المتضمن، أو المضمر في القصيدة الحديثة تقود إلى قضية جدل الثقافات، ومستوى
استجابة الخصائص الأسلوبية لكل منها لتمثل نموذجاَ معدَّلاً، لتبرز الحدود
المتداخلة بين "قصيدة النثر" و"النثر الشعري" وكذلك "الشعر الحر" حتى بين ثقافتين
متماسَّتين تاريخياً كالفرنسية والإنكليزية. إنها إذن نوع من الشكل الهجين حصيلة
هندسة وراثية في الأدب، ولذلك لا ينبغي أن يتحول إلى عقيدة جديدة عندما يفدُ إلى
الثقافة العربية، وإنما تجري مقاربته من متن الشعر العربي، فالنقد الأوربي نفسه مضى
نحو تأصيل "قصيدة النثر" بإحالتها إلى التوراة أو مزامير داوود. لم يعد بودلير
أباها الشرعي ولا أدغار ألن بو ولا حتى أليسيوس برتراند، تماماً كما حاول النقد
العربي بدوره، وكذلك شعراء التفعيلة المنتقلين إلى "قصيدة النثر" تقصِّي الأب في
الماضي أيضاً.
إزاء
هذا كله هناك خياران أمام نموذج "قصيدة النثر" إما القطيعة المعرفية التامة مع ما
قبل، وهو مما يشبه الوهم، بل هو الموت نفسه، أو القدرة على تمثل الجدل لمقاربتها في
ثقافتنا وفي سياق متن الشعر العربي.
وعندما
ننظر إلى ما بعد "قصيدة النثر" فليس هذا التطلع بالضرورة هو لما بعد بالمعنى القطع
مع ما قبل والتأسيس الجديد، ربما كان تجاور الأشكال أو أقل تصالحها في الشكل الجديد
هو الفكرة المناسبة لتوصيف هذا الما بعد.
ومن
هنا يمكن الحديث عن تاريخ "قصيدة النثر" ومستقبلها بشكل دقيق، من خلال علاقتها مع
الأشكال الشعرية الأخرى، علاقة لا تنطلق من التضاد ولا التناقض ولا هي علاقة
تراكمية للنفي، وإنما علاقة تفاعلية داخل النوع، عندها نكون قد اخترنا الخوض في
سؤال الشعر لا سؤال الصياغة ولا الشكل.
فواقع
الحال يشير إلى أننا لم نستخلص "قصيدة النثر" من النثر الشعري. بمعنى أن اشتراط
توفر "القصد" لكي يسمى الشعر قصيدة لا يسوغه الشكل وحده بل القوانين الداخلية التي
تجعل منها جسراً للانتقال من الشعر المكشوف، إلى مأوى القصيدة، والانتقال من
الكلمات المبثوثة في براري النثر، إلى العبارة المتجسدة في قصيدة، فالنثر خارجي،
إنه معاني الجاحظ، والشعر هو العالم الداخلي للقصيدة، النثر متحقق في مكان ما
والشعر سعي لإعادة تشكيل المتحقق في مكان محدد، لا عبر تمثله بل حتى بدحضه، وهذا
التعارض من شأنه أن يبني فرضيات إضافية تدفع بالقصيدة المعنية إلى اللا تشكل، أو
إلى الشكل المتعدد.
ومن
المهمِّ ملاحظة إن هناك نماذج متعددة تعكس مفاهيم متباينة لـ "قصيدة النثر" في
الشعر العربي، ما بين مطولات وأناشيد وما بين التزام يعكس نمذجة حقيقية للقصيدة عبر
مقتضياتها المعروفة.
وفيما
كان لـ"قصيدة النثر" أن تفتح أفقاً جديداً في الشعر العربي سنجد أنها وبعد نصف قرن
احتلت الأفق تقريباً، ولكن لا ينبغي أن تغلقه إلا بوصفها شكلاً شعرياً شرعياً
وطيفاً قابلاً للتفاعل في قوس قزح الشعر.
فعندما
يتحاور الوزن مع اللا وزن، مع البيت والتفعيلة، النثر المركز، في كرنفال شكلي حر،
ينتج لنا شعراً عصياً على التجنيس وهو في أجلى صيغة لتداخل الأنواع. بهذا تبدو
"قصيدة النثر" أكثر الأشكال قدرة على جعل الشعر قابلاً لإعادة الصياغة من جديد، على
الخلق والخروج من القواعد التليدة، فعمود الشعر لم ينكسر تماماً بعد أن أصبحت
القصيدة عموداً آخر، ولذلك تبقى الشعرية العربية مقيدة، ليس بالوزن والقافية فحسب،
وإنما بهذا التجمهر حول النموذج.
من
المهم أن تعود قصيدة النثر إلى كونها الانفصال والاتصال معاً، وبهذا تحقق قدرتها
على الديناميكية، لا بخلق شكل مفاجئ وصدمة مدوية لا تتفاعل مع التطور الطبيعي
للشعرية العربية بل بإعادة مراجعة الماضي نفسه على وفق هذه الصياغة الجديدة.
وعندما
نحوز قصيدة بلا نثر، نكون اجتزنا ممر التناقض الذي سارت به"قصيدة النثر" خلال
العقود الماضية، وأعدنا مراجعة (مشروع الحداثة الشعرية) نفسه من جيل الرواد إلى
اليوم، ومادامت "قصيدة النثر"، تقوم على تهجين الشعر بالنثر، فإنها بحاجة دائمة
لتهجين شكلها نفسه، لتصبح الشعر الذي يخفي شكله الحقيقي في القصيدة المركبة، ولا
يتقوقع في شكل محدد. وبما أن واحداً من أهم أسبابها هي الحرية، فإن من سماتها ألا
تتحولَ إلى معبد وثني منعزل.
الوصول
إلى الشكل الأكثر هجنة، المعرَّف بهجنته والمنعوت بتشكله لا بشكله المسبق، ولا
المأخوذ بعقدة البحث عن السلالة، سيبدو سمة ممكنة للقصيدة المكتوبة خارج الإيقاع
الخليلي. لعل سمة العصر الذي نعيشه الآن تجعل مثل هذه الهجنة ممكنة ومنشودة في
الوقت نفسه.
هذا
الاختلاط الواضح بين الشعر والنثر، وبين القصيدة والنثر، وبين الشعر والقصيدة، بين
الوافد والموروث سيتيح للحرية التي سعت "قصيدة النثر" إلى جعلها رسالتها المنشودة،
أن تظهر بعض سماتها، ويخرجها من أن تتحول إلى عقيدة جامدة، بهذا تتحقق قوانين الجدل
في هذا الشكل، ولا يصبح حتى نفي النفي نفسه إلغاء بل تخطياً وتجاوزاً ومغايرة.
ورقة البحث المقدمة الى مؤتمر قصيدة النثر العربية الذي عقد في بيروت، بالجامعة
الأميركية (19 ـ 22 أيار 2006)
المستقبل
الاحد 28 أيار 2006