The Arabic prose Poem




 

حين طوى أنسي الحاج إشكال الشرعية

مؤتمر قصيدة نثر أم مؤتمر شعراء؟

ماهر شرف الدين

 

 

لأن كلمةً يقولها، بعد نصف قرن، أبرزُ شعرائنا العرب منذ ألف عام، أنسي الحاج. ولأن مؤتمراً ناقصاً عُقد تحت مسمّى كامل: "مؤتمر قصيدة النثر العربية" (نظمه برنامج أنيس المقدسي للآداب في الجامعة الأميركية بين 19 و21 أيار 2006)، لا بدّ، إذاً، من وقفة نقدية نقول فيها كتابةً ما قلناه شفاهيةً. نقول فيها ما يجب قوله كمثقفين، شعراءً ونقاداً ومهتمّين، بعيداً عن مهاترات تستجلبها مؤتمرات سياسية، أو مجاملات تستحضرها مؤتمرات اجتماعية. هنا مقال نُقِّحَ مرّاتٍ.

كهبوط اضطراري، أحتاج أن أعيد ما سبق أن قاله غيري حول غرائب حدثت في هذا المؤتمر. أحتاج أن أعيد التساؤل عن غياب صاحب البيت يوسف الخال عن التكريم. هذا الذي جعل من مجلته "شعر" غطاءً وحاضناً لكلّ تجارب الروّاد. "لولا مجلة شعر لكانوا اعتبروني شاعراً وجدانيا"، هذا ما قاله أنسي الحاج. وهذا ما يؤكّد - ما لا يحتاج تأكيداً بالطبع - أهمية الدور الذي اضطلع به يوسف الخال، ومحوريّته. وقبل المتابعة أستطرد: لو كان إغفال يوسف الخال حدث عن سهو (يا للهول!)، فقد كان في الإمكان تدارك ذلك، كما قد حصل مع توفيق الصائغ مثلاً، والذي كان هو الآخر "مُستَبعداً" عن التكريم. كذا، بعد احتجاجات عدّة استدركوا الصائغ في تكريمهم، واستثنوا الخال!! وأكثر، ولكي يكون للسهم دريئة، وللكلمة أذنان، أحدّد فأقول: لقد تمّ تكريم أحد تلامذة يوسف الخال، هذا الذي، على فيض احترامنا لشخصه، لا نقع على مساهمة حقيقية له، فنقول إنها "بيضة الديك". بل إن مساهمته، أصلاً، في قصيدة النثر هي موضع تشكيك، من حيث قيمة هذه المساهمة، ومن حيث منتهاها. إذاً، كان في وسع المنظّمين استدراك تقصيرهم في حقّ الخال، كما فعلوا مع الصائغ، فامتنعوا. وكان في وسعهم تكريم الأستاذ، فكرّموا أحد تلامذته، وتحت وطأة المجاملة، كما اكتشفنا في ما بعد! هذه المجاملة، التي نال من حظوتها البعضُ، تحوّلت استخفافاً ولامبالاة بالبعض الآخر (وما أكثره). لقد جاء مؤتمرنا العزيز، من حيث التنظيم، أشبه بحفلات توقيع الكتب، في معنى دخوله باب الاجتماعيات، أكثر من دخوله باب الثقافة. وأشدّد، من حيث التنظيم، لأن مداخلات عدّة، ومستحقة، شكلت وحدها مساهمات بارزة في تشكيل ما يشبه الوعي النقدي، الغائب عربياً حتى الساعة، حول قصيدة النثر. وكي أرفع البرقع عمّا سبق، أقول: لقد بدا واضحاً أن ربحاً وخسارة تمّ إحصاؤهما، فور إعلان البرنامج، وأسماء المشاركين فيه: كيف نسمّي مؤتمراً كهذا مؤتمر قصيدة النثر ويغيب عنه شعراء من قامة بول شاوول؟! وإذا كانت الحجّة اعتذار شاوول، على ما تمّ إشاعته، فما الذي نقوله في باقي الأسماء: ما الذي يمكن قوله عن تغييب عبد المنعم رمضان، أبرز شعراء قصيدة النثر في مصر؟ فإذا كان السبب نقصاً في الإمكانات المادية، على ما يقول منظّمو المؤتمر، فلماذا جيء بغير رمضان من المصريين إذاً؟ هل ثمن تذكرة السفر لعبد المنعم رمضان أغلى من تذكرة سفر جرجس شكري مثلاً؟ ثم، ما الذي يمكن قوله في غياب الكبير وديع سعادة؟ أيضاً، الكبير سليم بركات. بالطبع، القائمة تطول، ولا تنتهي، من تساؤلات لا تحتاج أجوبةً أكثر من إرخاء الفكّ السفليّ، وبَحْلقة العينين. وبعد، إذا لم يكن لأصحاب المؤتمر من حجّة سوى قلّة الموارد المادية، فكيف يرتضون لهذا المؤتمر أن يحمل هذا الاسم الشمولي والجامع: مؤتمر قصيدة النثر العربية؟ فإذا قلنا قصيدة النثر في سوريا لا بدّ أن نقول: نزيه أبو عفش (أين هو نزيه أبو عفش؟)، وإذا قلنا قصيدة النثر في المغرب قلنا محمد بنيس (أين هو محمد بنيس؟)، وإذا قلنا قصيدة النثر في الخليج قلنا قاسم حداد (أين هو قاسم حداد؟)، وإذا قلنا قصيدة النثر في مصر قلنا حلمي سالم (أين هو حلمي سالم؟)، وإذا قلنا قصيدة النثر في عُمان قلنا سيف الرحبي (أين هو سيف الرحبي؟)، وإذا قلنا قصيدة النثر في فلسطين قلنا غسان زقطان (أين هو غسان زقطان؟)، وإذا قلنا... وإذا قلنا... يظهر مما فات أن قصيدة النثر في البلاد العربية، باستثناء العراق جزئياً، لم تكن ممثلة قط، بل اكتُفي بأسماء نسمع ببعضها للمرة الأولى، أو في أحسن الأحوال قرأنا لها قصيدة، أو اثنتين في أحد المواقع الالكترونية. بل وقد غلبت بعض الصداقات الشخصية على موضوع الدعوات العربية. كذا، مؤتمر لقصيدة النثر العربية من دون سوريا، ومصر، وفلسطين، والمغرب، والخليج، وعُمان... كذا، مؤتمر لقصيدة النثر العربية من دون يوسف الخال، وبول شاوول، ووديع سعادة، وعيسى مخلوف، وسليم بركات، وعبد المنعم رمضان، ونزيه أبو عفش، وحسن نجمي، وبندر عبد الحميد، وقاسم حداد، وسيف الرحبي، وحلمي سالم... وإذ أطلتُ في تعداد الأسماء، والأمصار المستثناة، فلكي أستطيع الزعم بأن تسمية المؤتمر بمسمّى شمولي تدخل في باب "الحَرَام"، الحرام التاريخي تحديداً. لقد كنا أمام لافتة، أكثر منا في قلب مشروع جدّي. لقد رأينا سياج المشروع، من دون أن نرى خرائط ومهندسين. ولقد بدا جلّياً أن مُعدّاً غير معلَن للمؤتمر استأثر بحصّة كبيرة منه. ولا مبالغة في القول إن شلليّةً ما قد مورست، كما لو أن التاريخ كان ينتظر على باب المؤتمر، وفي يده دفتر وقلم، لإعلان شجرة عائلة الخالدين من الشعراء. أو كما لو أن بيان استقلال جمهورية قصيدة النثر قد أُعلن، وتمّ اصطفاء أبطال هذا الاستقلال، والاعتراف بهم. والحصاد ماذا؟ والحنطة كم؟ والسؤال يقول ويجيب: هل يستطيع المؤتمر، بعد أن يضمّ المداخلات في كتاب، كما كان قد أُعلن، الادعاء بأنه قد خرج بعمل نقدي، أو وعي نقدي جديد؟ هل يستطيع الزعم بأنه رتق لو جزءاً في فراغ هذا النقد، وخصوصاً نقد قصيدة النثر؟ لا، يجاوب السؤال نفسه. الصحيح، أن مداخلة عقل العويط كانت قد نزعت الشرعية عن هذا المؤتمر من خلال سؤاله عن المسألة العاجلة التي استحقّ أن يُعقد من أجلها، إن لم تكن جعل النقد، وحده، بعد خمسين عاماً من الصمت الأكاديمي والجامعي، إشكاليةَ المؤتمر. هذا المؤتمر الذي كان من الأجدى له أن يكون منطلقاً للمطالبة بإدراج قصيدة النثر في صلب العملية الأكاديمية، مناهجَ وأساتذة وطلاباً. لقد تُركت الأمور على عواهنها، كما لو أن أهداف عقد المؤتمر في مكان آخر، أو أنها اقتصرت على نصر شخصي لهذا، أو ذاك. لقد ضيّع المؤتمر فرصة سدّ العَوز النقدي العربي، خصوصاً في قصيدة النثر. وفوّت إمكان الخروج بعمل نقدي ومرجعي كبير يتربّع في صدور مكتباتنا. بكلام أقلّ، لقد جاء مؤتمر قصيدة النثر مؤتمرَ شعراء. وعوض أن تكون قصيدة النثر هي الحدث، كان شعراء هم الحدث، ولا ضير. وبدل أن يكون الشعر رافعة المؤتمر، فعل شعراءٌ ذلك، ولا ضير أيضاً. لقد بدا كما لو أن المؤتمر مشروع حصر إرث، وتقاسم هذا الإرث. وما قاله رينه شار (مجازاً) عن قصيدة النثر بأنها إرث من دون وصية، تمّ تطبيقه (واقعاً) في شكل يدعو إلى انعدام الرجاء، وهطول الخيبة. لقد كنّا أمام مشروع توريث، ونقل الراية من يد إلى يد، وليس من جيل إلى جيل. مائدة الإرث هذه استبعدت واصطفت. وما اصطفت البعض، الذي تجاسر عليها، وعاب تنظيمها، إلا لتنال مشروعية أكثر، وإلا لكي تضمن قبول محكمة التاريخ بتسجيل معاملة نقل الإرث من دون دعاوى ضدّها. بالطبع، لقد أُلقيت في المؤتمر مداخلات نقدية عدّة ذات قيمة كبيرة، أخصّ بالذكر منها كلمة كاظم جهاد التي تحدّث فيها عن فلسفة قصيدة النثر، في معنى البعد النقدي الضمني الذي تقوم عليه هذه القصيدة. أيضاً، كلمة عباس بيضون الختامية (سآتي على نقاش إحدى نقاطها بعد سطور)، وكلمات أخرى نعفّ عن ذكر أسماء أصحابها لضيق صدر هذه العجالة الصحافية. في المقابل أُلقي على أسماعنا، وأعني العبارة بحرفيّتها، مداخلات لا تمتّ إلى النقد بصلة قربى. نوع من أحكام اعتباطية، ومقدّمات واهية، لا تخرج بأكثر من خلاصات بدهية، كـأن يذكر أحدهم اسمَ بطل كارتونيّ في قصيدة شاعر، فيكون الاستنتاج أن الشاعر، ولا بدّ، متأثر بتقنية أفلام الكارتون! كذا! لذلك لا مفرّ، للذي أراد الموضوعية في تقويم الجهد المبذول، من تناول كل شاعر، أو كل ناقد على حدة، مقدّراً الجهود الفردية لكلّ مشارك. وكم كان حريّاً بالذين أرادوا لهذا المؤتمر أن يأتي بثماره المباركة، أن يعقدوا جلسات تحضيرية يتمّ فيها تناول الأسئلة النقدية الواجب طرحها، والأسماء القادرة على التصدي لأجوبتها، عوض أن تأتي المداخلات هائمة مسترسلة، وفي أحيان كثيرة منفوخة الأنا، مستندة إلى تجربة لم يسعفنا الحظ في الاطلاع عليها، والوقوف على أهميتها، واستحقاقها أناها الكبيرة. ناهيك بأن بعض المشاركين العرب لم يحضر واكتُفي بقراءة مداخلته من بعض الزملاء، أو الصفح نهائياً عن قراءتها، كما حدث مع كلمة محمد جمال باروت. وهنا نسأل، وهنا نجيب: ما الأكثر أهمية إذاً، المساهمة النقدية، أم تدوين الأسماء في برنامج المؤتمر؟ يظهر من حادثة باروت أن لا أهمية، أو لا غاية، عقدها المنظمون على فحوى المداخلات، وجديدها. لأن شغلهم الشاغل كان في مكان آخر. لا بأس، نقول - إن استطعنا - عائدين إلى الأهمّ والأرفع (كلمة أنسي الحاج). لكني، قبل ذلك، لا أجد بدّاً من المرور على إحدى النقاط التي وردت في كلمة الشاعر عباس بيضون، والتي بنى عليها تقريباً معمارَ هذه الكلمة. يقول بيضون: "لم يغب عنهم (مؤسسو قصيدة النثر) أن الدعوة إلى تفكيك الفصاحة العربية هي أيضاً دعوة إلى تفكيك البناء الفوقي للأسطورة القومية. دعوة كهذه لا تمسّ الصعيد الشعري وحده بل تمسّ معه الصعيد الايديولوجي والسياسي بعامّته. تفكيك الفصاحة باختصار، ضرب للتوحّد في اللغة واتخاذها ديناً قومياً واعتمادها ايديولوجيا عليا وجامعة. تواقتت هذه الدعوة إلى تفكيك الفصاحة أو التحرّر منها مع أخصب فتراتنا بالاعتداد القومي، في الخمسينات والستينات. إنها فترة التماهي بين المشروع التاريخي والتعبئة الجماهيرية والنظام الشمولي. فيها دُعي المثقفون ليصوغوا خطاب التماهي والتوحيد (...) لكن معركتها الأهم، أي معركة قصيدة النثر، كانت ضدّ تسييد اللغة واستعلائها الايديولوجي. رفضت أن تكون اللغة نواة قومية. عنى ذلك تحطيم الفصاحة كلغة عليا". بالطبع، النقطة التي يجدر بنا نقاش عباس بيضون فيها هي نظرية "تفكيك الفصاحة وتحطيمها"، التي اعتبرها قوامَ نشوءٍ لقصيدة النثر. كبداية، لا يشرح بيضون ما الذي قصده بتعبير "الفصاحة"، والتي جعل من فعل تحطيمها فعلاً تأسيسياً لقصيدة النثر. فإذا كان قد قصد بها لفظةً ضدّية للفظة "الركاكة"، التي شكّلت ما يشبه الأساس النظري لنوع معيّن من طرائق كتابة قصيدة النثر التالية، فلا بدّ هنا من قول الآتي: لقد قامت قصيدة النثر على إعادة الاعتبار الى اللغة من خلال عتقها من معايير الوزن والقافية، وبالتالي، اعتمادها مقياساً أولَ للشعر. لقد أعادت قصيدة النثر مرجعية تحديد الشعرية إلى اللغة، واللغة وحدها. وهنا نستغرب من بيضون تعميم نموذجه على تجربة قصيدة النثر العربية كلّها (هل يندرج شعر أنسي الحاج، أو شعر أدونيس، وباقي الروّاد، ضمن مشروع تحطيم الفصاحة؟). لقد اتخذ عباس بيضون من نفسه، أو من شعره القائم على نظرية ركاكة اللغة، نموذجاً باتّاً لقصيدة النثر العربية، مناقضاً نفسه قبل بضعة سطور، لجهة استشهاده بـ"لن" أنسي الحاج، إلا إذا كان يرى في "لن" تفكيكاً للفصاحة أيضاً. لم يأتِ عباس بيضون على تطبيق نظريته مع "لن"، إنما اكتفى بتعريفها كـ"مونولوغ متوتر وهذياني"، مواصلاً أنها "هذا الارتطام شبه الجسدي باللغة التي يحيلها أحياناً على شظايا وعرة وعلى فوران صهيري وعلى باطن متفجّر". لا نعرف ما الوجهة النقدية لهذا الكلام، أو ما حصيلة النقد فيه. لكن الأكيد أن تطبيق نظرية الشاعر بيضون لا تعني أقلّ من طرد شعراء عرب كبار، بل المؤسسين، من مملكة قصيدة النثر (استبعد المؤتمرُ بعضَهم على كلّ حال). أما إذا كان شاعرنا، في مقولته تلك عن تفكيك الفصاحة، قد عنى الزخرف، الذي حكم أشعارنا في عصور الانحطاط، فما أبعد الزخرف عن أن يكون من مُستعمَلات الفصاحة، التي هي، تعريفاً، خلوص الكلام عن التعقيد، أي إخراج المعنى بأقلّ كلفة لغوية ممكنة. بل على العكس من ذلك، هو نقيضها لجهة دخوله في باب الإطالة، في حين أن الفصاحة استقامة، وإيجاز، وهذه الصفة الأخيرة (الإيجاز) هي أحد شروط قصيدة النثر على كلّ حال، والتي سبق لبرنار أن حدّدتها بثلاثة، قبل أن يعتمدها روّاد "شعر"، وفي طليعتهم أدونيس وأنسي الحاج. أكثر من ذلك، أراني مسوقاً إلى القول إن في شعر عباس بيضون نفسه، وفي المعنى أعلاه الذي ذكرتُه للفصاحة - وليس لها من معنى سواه - هناك فصاحة موازية، أو فصاحة بديلة. فصاحة أسلوب، والفصاحة أسلوبٌ في أصلها. ولو كان سياق هذه المقالة يتسامح مع استطراد كهذا، لفعلتُ.    

الشرعيةُ سجالاً الشرعيةُ هويةً

قبل الخوض في تبيان النقاط البارزة في كلمة أنسي الحاج، لا بدّ من العودة إلى ما قلتُه بداية المقال، حول الذهاب إلى أن أنسي الحاج هو أبرز الشعراء العرب منذ ألف عام، تحديداً منذ العام 968 م، تاريخ وفاة سيدنا ومولانا أبي الطيّب المتنبي. فنحن لا نكاد نقع على شاعر طاوله الغُبِن مثلما طاول هذا الشاعر. ولا أجد من بين شعرائنا الكبار، من يناطحه قامةً سوى الراحل الكبير محمد الماغوط. لقد كانت تجربة أنسي الحاج التجربة الأكثر مصيرية في شعرنا الحديث عموماً، وفي قصيدة النثر على وجه الخصوص، وفي معنيين اثنين: تأسيسي، وارتدادي. لقد كان "لن"، حتى ومن دون مقدّمته، إشارة الانطلاق، وبلاغ البدء. ولا بدّ لمتتبع مسيرة الشعر مذذاك، وحتى اليوم، أن تصدمه البصمة الكبيرة التي تتركها تجربة أنسي الحاج، على مجمل النتاج الشعريّ. أنسي الحاج هو الشاعر العربي الوحيد الذي لم يفشل له ديوان. الشاعر الوحيد الذي تجد صعوبة في المقارنة بين أهمية مجموعاته، والتفاوت بينها. ولا أجد في تجربة الروّاد تجربةً تُظهر تلك الدينامية لتطور قصيدة النثر، ونموّها، كما نجده في تجربة الحاج. هذه الدينامية التصاعدية التي تصلح أن تكون المؤشر الدلالي، والخط البياني لتصاعدية قصيدة النثر نفسها. بالطبع، لسنا في صدد استخراج الأسباب التي حالت بين تجربة أنسي الحاج، وعالميتها، بكلّ ما لهذه الكلمة من معنى. لكن في وسعنا الاتكاء على نقطة مهمة، ركّز عليها الحاج في كلمته الأخيرة، وبكثير من الأسف، ألا وهي مسألة غياب النقد. هذا الغياب الذي شكّل أحد أهم أسباب الغبن الذي لحق بتجربة الحاج نفسه. لقد اتخذ شاعرنا من نقد قصيدة النثر ميزان حرارة، أو مؤشر زلازل، لثقافة أعمّ. تحدّث عن غياب النقد، وغيبوبته، حاسباً قصيدة النثر التجلّي الأبرز لأزمة الثقافة العربية. في هذه الأزمة، التي عاش فيها المجتمع عُصابه، عاشت قصيدة النثر فصامها. لذلك، كان على "المبرّر الأكبر لمؤتمر كهذا، هو أن يكون انطلاقةً نحو أبحاث نقدية وتقييمية لما أنتجه هذا النوع منذ تأسيسه قبل نحو نصف قرن". الحاجة ماسة الى النقد، قال الحاج، وأكّد: "الحاجة الى النقد هي اليوم أشدّ الحاجات الأدبية إلحاحاً". لقد جاءت كلمة أنسي الحاج أشبه ما تكون بوثيقة إدانة لغياب النقد العربي عامة، لهذا الغياب الفاضح للعقل النقدي. لقد جاءت على مثال قصيدة النثر، "عشبة هوجاء لم يزرعها بستانيّ القصر، ولا ربّة المنزل". وإذ  وضع أنسي الحاج، على سبيل الاستهلال، سؤال عقد المؤتمر سؤالاً أولَ في كلمته، ففي جوابه ردّ على عدد من أسئلة لم يطرحها. وهذا المهمّ. "الجواب"، كانت الكلمة الأولى في افتتاحيته، و"المعجزة الشعرية" كانت الأخيرة. بالطبع، لا بدّ أن يشي هذا المطلع، وختامه، بأن الذين قد حضروا، جاؤوا ليسمعوا جواباً. جاؤوا ليسمعوا كلمة حقّ في خمسين سنة فائتة. وإذ أتى جواب الحاج على شكل سؤال أيضاً، فهذا تأكيد لمقولة أن لا أجوبة في الشعر. بتحديد أكثر، أجد من الاستحالة بمكان عقد مقارنات سويّة بين ما قاله الحاج في مقدمة "لن" من جهة، وما قاله، قبل أيام في افتتاح المؤتمر من جهة ثانية. المقارنة الوحيدة التي يمكننا عقدها هي ما بين المعنى التاريخي لكلا الكلمتين. ولكن؟ إذا كانت الأولى تأسيسية، فهل جاءت الثانية استئنافاً؟ لا، نقول ونتابع. لقد حاول أنسي الحاج تسجيل انطباع تاريخي عن مرحلة تاريخية. انطباع من قماشة نقدية، لكن بإبرة شعرية. بالطبع، كثيرة هي النقاط التي يمكن الوقوف عليها في كلمة الحاج. لكن الأهمّ بينها هي الآتية: لقد قدّم الحاج تعريفاً لقصيدة النثر، فقال بأنها "الدخيلة"، مسوّياً من هذه الصفة هويةً وبطاقة شخصية لها: "تمضي قصيدة النثر قائلة للباحثين فيها: ظننتُ أن مسألة البحث في أمري حُسمت، وها هي تعود إلى التداول. كنتُ واهمة وكنتم على حق. فأنا المخلوق الدخيل سأظلّ، مهما أجلستموني بين أنواعكم الأدبية، مخلوقاً دخيلاً. أو في أحسن الأحوال مخلوقاً مقبولاً على مضض. يبدو أن هذا هو جزء من هويتي". هكذا، وبعد نصف قرن، يعلن أنسي الحاج أن مسألة الشرعية، التي استهلكت أرطالاً من الحبر والورق، تدخل في القلب من مسألة تشكيل الهوية لهذا النوع الشعري. لقد جعل الحاج من لا - هوية قصيدة النثر هويةً لها. "لم تصبح قصيدة النثر العربية، كالمعلّقات، وثيقة للتاريخ حتى نستريح من قراءتها"، قال الحاج، ولن تصبح. لقد أدرك صاحب "الخواتم" أن إشكال الشرعية هو إشكال بنيوي، يدخل في صميم تكوين قصيدة النثر. ولذلك أقرّ ببعض تسرّعات التأسيس لجهة وضع شروط صارمة، والمشي على حبالها. "يؤخذ علينا، يقول الحاج، أنا وسواي من المؤسسين، أننا حدّدنا شروطاً ومواصفات لقصيدة النثر عدنا، أنا وسواي، وخرقنا العديد منها. من ذلك حجم القصيدة. قلنا بالقصيرة، ثم اكتشفنا بالممارسة أن لا ضير في الطويلة، حتى لو تنافرت، حين تدعوها تجربتها إلى الإفاضة، أو حين يجرفها سيلها فيمنعها من الانحصار في ساقية تحت طائلة التشويه. وغيرها قليل، خيانات ارتكبناها، أنا وسواي، ولكنها خيانات من نوع الشذوذ المثبّت للقاعدة". هذا الشذوذ المثبّت للقاعدة، هو أيضاً المثبّت للهوية. لقد أسف الحاج لبقاء مسألة الشرعية، في صيغتها البدائية، موضوعاً سجالياً حاضراً.  ولذلك تمنى للمؤتمر أن يكون "مناسبة ليقوم المشاركون فيه وكذلك غير المشاركين من كبار الشعراء والدارسين بعملية إعادة نظر تكون هذه المرة إعادة نظر لقصيدة النثر في ذاتها من الداخل، وقد كان معظم النظر النقدي اليها في السابق هو من خارجها، أو من ضفاف مخضرمة". أحسب أن كلمة الحاج هذه تطوي مسألة الشرعية، في معناها السجاليّ، لتفتح الباب أمام مسألة الشرعية، في معناها الماهويّ. لقد طوت هذه الصفحة، وإلى الأبد. "لا أعرف إن كان أحدنا في زمن الاندلاع الأول، أو ردّ الفعل قد قال مرّة إنه يريد بقصيدة النثر إلغاء الوزن. ربّما. لكنّ الحقيقة هي أن قصيدة النثر لم يَخْلقها تحدّي الإلغاء بل حاجة مطلقة إلى الانوجاد". بالطبع، ليست المسالمة هي أول ما يمكن أن ننعت بها كلمة الرائد حين يقول كلاماً كهذا. وأجده من باب قلّة الموهبة أن لا نفهم من هذا الكلام أكثر من أنه مهادنة، أو مدّ يد إلى شعراء قصيدة الوزن. تصدر أهمية كلام الرائد من موقعه أولاً وأخيراً: في حال الكبار تكون القاعدة هي الآتية: أهمّ من الكلام الذي يُقال هو مَن يقول هذا الكلام. بالطبع، نالت كلمة أنسي الحاج تاريخيتها من المصدرين: القائل، وما يقوله. "حُكِم علينا، وقد سربلونا بتسمية الروّاد، أن نفتح الأبواب ولا نستطيع إغلاقها". لقد تبرّم الحاج من الذين يشبهونه، داعياً الأجيال المقبلة، لا إلى تجاوزه فحسب، بل إلى دفنه. لم يقل بأن الذي تلاه كان صدىً له، كما فعل آخرون. وتحت راية السباق إلى الخلاص، ختم مطالباً بمعجزة شعرية. ههنا، لا بدّ أن نتذكّر ما كتبه بودلير إلى أرسين هوساي ذات يوم: "مَن منّا لم يحلم، أيام طموحه، بمعجزة نثر شعري". نتذكّر ذلك، فقط، كي نخشى على المعجزة من أن تتحوّل إلى مؤسسة، أو إلى مؤتمر مرتجل، أو حتى إلى أقلّ من ذلك. كذا، غلبَ المؤتمرَ رأسُه، وكان حريّاً بالذي دعا رائد قصيدة النثر إلى افتتاح مؤتمرها، أن لا يستثني صاحب البيت. أو في الأقلّ، أن يتصفّح "لن"، قبل منتصفه، ليقرأ: "لا حاجة لعَرَق الهارب، لا حاجة للقرع للقرع للقرع".

 

 

ملحق النهار

28 أيار 2006

 

 

لماذا النثر؟


 

نثر معاصر


نثر قديم


نثر مترجم


نثر على نثر


نثارون


انطولوجيا النثر


مكتبة النثر

 


مستشارو التحرير

 

حاتم الصكر


خزعل الماجدي


صالح هويدي



مدير التحرير
دلال جويد


 

 

للمراسلة

 


حقوق النشر محفوظة ولا يجوز إعادة نشر أي مادة إلا بالإشارة إلى المرجع. المواد المنشورة في الموقع تعبر عن آراء أصحابها ولا تلزم الناشر بأي مسؤولية.