حضرتْ القصيدة وغاب النقد
وديع سعادة
مؤتمر
قصيدة النثر في بيروت أعاد تذكيرنا بغياب النقد عن مواكبة هذه القصيدة، خصوصاً
قصيدة ما بعد الستينات. فإذا كانت قصيدة النثر في الستينات حظيت ببعض جدّية النقد،
فإن ما بعدها لم يحظ سوى بمقالات صحافية سريعة، وكأنَّ ناقد هذه القصيدة يؤدي وظيفة
على عجل لكسب رزق، ثم يمضي مستعجلاً إلى عائلته وشؤونه الخاصة.
تخلَّف
النقد "الحديث" كثيراً عن القصيدة الحديثة ولو أنكر النقّاد ذلك. فالنقد الذي رافق
هذه القصيدة يمكن وضعه في خانتين فقط: نقد وظيفي مستعجل، ونقد الجديد بذهنية قديمة،
وكلا النقدين يسيئان إلى هذه القصيدة، إذ ان النقد الاول يهمشها والنقد الثاني
يلغيها: يهمشها النقد الوظيفي لأنه يرى فقط شبه ملامح من هذه القصيدة بسبب استعجاله
والنظر إليها من بعيد، كمن يرى قطاراً عابراً ولا يرى وجوه ركابه ولا نفوسهم.
والذهنية النقدية القديمة تلغي القصيدة الجديدة لأنها ـ ببساطة ـ لا ترى القطار ولا
المسافرين فيه.
فلندع
الذهنية القديمة، إذن، لأنها لا ترى وجوب نقد موضوعي لشيء لا تراه ينتمي أساساً إلى
الشعر. لنضع هذه الذهنية جانباً، وليس للقصيدة الحديثة حقٌّ لومها في عدم مواكبتها،
أو التوقف عند إنكارها على الشعر، لأنها ـ ببساطة ـ ذهنية أخرى مغايرة عن الذهنية
الجديدة، تتحدث بمصداقيتها هي، ومصداقيةُ الجديد تدعوه إلى احترامها كما هي والمضي
في طريقه.
لنضع
الذهنية القديمة جانباً ونتحدث عن النقد "الجديد". فأين هو هذا النقد مما كُتب من
شعر بعد الستينات؟ أية دراسة نقدية عميقة كتبت عن شعر سركون بولص مثلاً؟ وعن شعر
عباس بيضون، وشعر بسام حجار، وبول شاوول، وقاسم حداد، وعقل العويط، وأمجد ناصر،
وسيف الرحبي، وعبد المنعم رمضان، وشارل شهوان، وأنطوان أبو زيد، ويوسف بزي، وجوزيف
عيساوي، وجمانة حداد، وسوزان عليوان، وعماد أبي صالح، وعماد فؤاد، وأسعد الجبوري،
وأسماء أخرى يصعب ذكرها جميعها هنا، لكن عدم ذكرها لا ينتقص شيئاً من قيمتها.
وأي
نقد عميق يُكتب اليوم عن الشعراء الجدد ورؤيتهم الشعرية الجديدة؟
وأي
نقد عن شعراء المهاجر؟ أم أن هؤلاء بعيدون، لا نلتقيهم ولا نجالسهم في المقاهي،
ولأنهم بعيدون لن يلومونا وربما "لن يعرفوا" إذا أهملناهم؟
يجب أن
نعترف بأن النقد الشعري اليوم ـ والنقد الأدبي عموماً ـ هو إما نقد سلفي، أو نقد
وظيفي، أو نقد غرضي، أو نقد إلغائي... ويجب أن نعترف بأن كل ذلك ليس نقداً.
يجب أن
يعترف النقاد الجدد بأن القصيدة الجديدة حضرت لكن نقدهم غاب.
ويجب
أن يعترفوا كذلك بأن الأسماء المشهورة هي وحدها التي تبهرهم، وبأن لديهم "عقدة نقص"
تجاه الأسماء الكبيرة تجعلهم "مدّاحيها" دائماً مهما كتبت من "قديم".
النقد
كشَّاف. أعني أن وظيفته كشف الجديد والمختلف، وليس تكريس المكَرَّس وحده.
والنقد
ليس وظيفة صحافية ولا وظيفة مصلحية ولا وظيفة كيدية... النقد دراسات، ورؤية في
العمق، واحترام الاختلاف والنظر إليه من وجهة دراسية وليس من وجهة شخصية.
...
لكن لِمَ لوم نقاد الشعر؟
كل
النقد العربي غائب وليس نقد الشعر وحده. كل النقد العربي غائب أو ممنوع: نقد
المفاهيم، الماورائيات، السياسة، وغيرها الكثير... فلماذا نقف متعجبين أمام غياب
نقد الشعر، وهو آخر همّ لدى العرب؟
عن
المستقبل
4 حزيران 2006